ابن أبي الحديد
45
شرح نهج البلاغة
وقال الله تعالى حاكيا عن نبي من أنبيائه : ( وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ) ( 1 ) . ومن كلام الجنيد الصوفي : ليكن عملك من وراء سترك كعملك من وراء الزجاج الصافي . وفى المثل وهو منسوب إلى علي ( عليه السلام ) إياك وما يعتذر منه . ومنها قوله : " ولا تجعل عرضك غرضا لنبال القوم " ، قال الشاعر : لا تستتر أبدا ما لا تقوم له * ولا تهيجن من عريسه الأسدا ( 2 ) إن الزنابير أن حركتها سفها * من كورها أوجعت من لسعها الجسدا وقال : مقاله السوء إلى أهلها * أسرع من منحدر سائل ومن دعا الناس إلى ذمه * ذموه بالحق وبالباطل ومنها قوله : " ولا تحدث الناس بكل ما سمعت ، فكفى بذلك كذبا " ، قد نهى أن يحدث الانسان بكل ما رأى من العجائب فضلا عما سمع ، لان الحديث الغريب المعجب تسارع النفس إلى تكذيبه ، وإلى أن تقوم الدلالة على صدقه قد فرط من سوء الظن فيه ما فرط . ويقال : إن بعض العلوية قال في حضرة عضد الدولة ببغداد : عندنا في الكوفة نبق وزن كل نبقة مثقالان . فاستطرف الملك ذلك ، وكاد يكذبه الحاضرون ، فلما قام ذكر ذلك لأبيه ، فأرسل حماما كان عنده في الحال إلى الكوفة يأمر وكلاءه بإرسال مائة حمامة ، في رجلي كل واحدة نبقتان من ذلك النبق ، فجاء النبق في بكرة الغد وحمل إلى عضد الدولة ، فاستحسنه وصدقه حينئذ ، ثم قال له لعمري لقد صدقت ،
--> ( 1 ) هود 88 . ( 2 ) العريسة : مأوى الأسد .